النموذج الكلاسيكي و انتقادات كينز له
ظهر الاقتصاد الكلي كخطاب متميز ضمن النظرية الاقتصادية, مع ظهور كتاب كينز في 1936 النظرية العامة للعمالة, الفائدة و النقود. متميز لأنه جاء ينتقد مفهوم المدرسة التقليدية العام للاقتصاد, أو بمعنى أدق مفهوم كينز للاقتصاد مفهوما يخالف نظرة المدرسة التقليدية التي ترى أن الأنظمة الاقتصادية الحالية تعمل ضمن آلية تلقائية(أنظر الشرح ص 13 )
يصور التقليديون(الفصل الأول) الاقتصاديات التي نعيش فيها على أنها اقتصاديات حقيقية, لا تلعب النقود فيها إلا دور الوسيط التقني في عملية التبادل. أما الأسعار هي التي تسمح ضمن إطار السوق التنسيق بين مختلف القرارات الاقتصادية التي تتطلبها عملية التبادل.
ينتج من الخطاب الدفاعي التبريري المعتمد من طرف الفكر التقليدي ، أن اقتصاد السوق، إذا تحرر من كل أنواع القيود و العراقيل (خاصة تلك التي تضعها الدولة)،سيعمل بشكل متجانس مما ينتج عنه توازن تلقائي عام لكل الأسواق، بمعنى آخر مبدأ الحرية الاقتصادية و مبدأ دعه يعمل هما أساسي الفكر التقليدي، فإذا تحقق هذين المبدأين تتحقق المصلحة الجماعية.
ضف إلى ذلك ، التوازن العام حسب دعاة هذا الفكر ما هو إلا نتيجة توافق سلوك الأفراد:ففهم سلوك الأفراد و فهم آلية عمل السوق هو الذي يؤدي في النهاية إلى فهم الاقتصاد الذي نعيش فيه, بمعنى المنبع الأساسي للفكر التقليدي هو الاقتصاد الجزئي.
طرح كينز في المقابل خطاب بديل(الفصل الثاني), أراد من خلاله أن يبين بشكل رشيد و بشكل علمي أيضا، شرعية تدخل الدولة في الاقتصاد حتى تعدل الاختلال الذي تعرفه اقتصاديتنا المعاصرة.
يصور كينز الأنظمة الاقتصادية على أنها أنظمة اقتصادية نقدية، مستوى العمالة فيها لا يتحدد عند التوازن في سوق العمل بين مستوى عرض العمل و الطلب عليه و إنما ينتج بعد ما يقرر أرباب العمل مستوى الإنتاج الواجب إنتاجه في ظل المعطيات المتاحة.
عند كينز اقتصاديتنا ليست اقتصاديات السوق بالمفهوم التقليدي، فالسوق حسبه ليس له القدرة على تعديل سلوك الأفراد فيما بينها و جعلها متوافقة عند التوازن.
على العكس التنسيق بين النشطات الاقتصادية المختلفة، لا يتم في السوق و لا يتم عن طريق التعديل التدريجي و المتجانس لقرارات الأفراد داخل السوق. و إنما يتم بواسطة دوران النقود.
النقود في نظر كينز، تلعب دورا أساسيا و متميز في الاقتصاديات المعاصرة، بل أن عند كينز سلوك الأفراد اتجاه النقود و تفضيلهم للسيولة النقدية أكثر من أنواع النقود الأخرى هو الجوهر الذي من خلاله نفهم آلية عمل الاقتصاديات المعاصرة.
في الأخير يمكن القول أن كينز جاء بمقاربة مغايرة منتقدة لما يسمى بالاقتصاديات الحرة التي تستطيع عن طريق العمل الطبيعي و التلقائي لها أن تحقق التوازن.
الاختلال الذي يظهر من حين إلى أخر في الأسواق، و ما يصاحب ذلك من أزمات يجب أن لا نرجعها للسلوك غير السليم للأعضاء الفاعلين في الاقتصاد و إنما ترجع حسب كينز إلى أن القرار الذي يأخذه هؤلاء ليس بالضروري هو القرار السليم، لأنها قرارات تؤخذ في ظل حالة عدم التأكد بسبب الطابع اللامركزي لاقتصاد السوق.
اتبع كينز منهجا اقتصاديا كليا ، ليبين خطأ طرح الفكر التقليدي المبني على المنهج الاقتصاد الجزئي حيث جاء في كتابه ما يلي: " لقد قمنا بخطأ جثيم عندما أسقطنا على النظام برمته نتائج تحصلنا عليها عندما درسنا هذا النظام في أجزاءه" ( كينز {1936}، مقدمة الطبعة الفرنسية، ص 6 ).
التصور الكينزي للاقتصاديات المعاصرة، جعلته يطالب بتدخل الدولة في الاقتصاد معتمدة في ذلك على سياسات اقتصادية تعمل على توفيق و تعديل القرارات الاقتصادية اللامركزية للأفراد و من ثم تحسين مستوى أداء العمل التلقائي للأسواق بما فيها سوق العمل، فتحل بذلك مشكلة البطالة.
جاء الاقتصاد الكلي كخطاب بديل للخطاب المتداول في دائرة التقليديين و المتمثل في الاقتصاد الجزئي، بديل من حيث الموضوع بما أن الاقتصاد الكلي يهتم أساسا بمشكلة تحديد مستوى النشاط و مستوى العمالة في النظام الاقتصادي، الدراسة التحليلية للاقتصاد الكلي تركز أكثر على آليات التنسيق بين مختلف مجالات النشاط الاقتصادي في إطار منهج ينظر للنظام الاقتصادي على أنه وحدة كلية متكاملة و لا يعالج أجزاء هذه الوحدة كما هو الحال في الاقتصاد الجزئي. مع الإشارة أن في المنهج الكينزي الكل أكبر من مجموع الأجزاء في حين أن في المنهج التقليدي الكل ما هو إلا مجموع الأجزاء.
عمد الاقتصاديون مباشرة بعد ظهور كتاب كينز حول العمالة في عام 1936، على البحث في إمكانية التوفيق بين النتائج التي توصل إليها هذا الأخير حول مشكلة البطالة و حول الأسلوب الأنجع الذي رآه مناسبا لحلها و بين التحليل عند التقليديين و التقليديين الجدد. أول عمل في هذا الإطار كان للاقتصادي جون هيكس و مقاله الشهير الخاص بالنموذج IS/LM و الذي أتبعته أعمال أخرى لاقتصاديين آخرين، حاولت كلها أن تبين وجود أسس اقتصادية جزئية للاقتصاد الكلي.
لا يمكن أن نخوض في حيثيات الاقتصاد الكلي و في جوانبه المختلفة، دون التعرض للنموذج التقليدي و انتقادات كينز له، حتى نبين أهم نقاط الخلاف بينهما. سيسمح هذا العرض للقارئ أن يفهم في الفصول الموالية، كيف استطاع نموذج IS/LM أن يوفق بين الخطابين و أن يكون بمثابة حوصلة لهما.
اشكل1 : موضوع النظرية الاقتصادية ____
لعل التساؤل الذي يطرحه كل الاقتصاديون، و الذي يشكل في الأخير وحدة النظرية الاقتصادية، بغض النظر عن تعدد المذاهب و تعدد المدارس التي ينتمون إليها، يخص موضوع النظرية الاقتصادية. يمكن تقسيم هذا التساؤل إلى شقين:
- إذا فعلا الاقتصاديات التي نعيش فيها تعمل ضمن آلية تلقائية(خارج أي تدخل خارجي)؟ هل آلية العمل هذه متجانسة أم على العكس ينتج عنها أزمات؟
- ماذا عن ضرورة تدخل الدولة في هذه الآلية؟
قاد هذا التساؤل الاقتصاديون إلى طرح سؤال جوهري آخر، عن التنسيق بين مختلف القرارات الاقتصادية للأفراد: بمعنى قرارات الأفراد تتكامل فيما بينه أم تتنافى؟ إذا كان الجواب بأن قرارات الأفراد تتكامل فيما بينها، كان حق على الاقتصاديين أن يتساءل أيضا عن الأداة التي من خلالها يحدث التنسيق و التكامل بين القرارات؟
الجدال القائم حول هذا التساؤل الجوهري، جعلتهم ينقسمون إلى قسمين: - قسم يرى أن الاقتصاد متجانس تلقائيا، و أن التنسيق بين مختلف القرارات يتم بشكل أوتوماتيكي، لا حاجة لأن تتدخل الدولة فيه، لأن ذلك قد يضر بالاقتصاد.
- القسم الثاني يرى أن عوامل الأزمة كامنة داخل العمل التلقائي للاقتصاد و الطابع اللامركزي في أخذ القرار و أن الحل لتفادي الأزمات لا يمكن أن يكون إلا بتدخل الدولة
جون هيكس : اقتصادي انجليزي، لعب دور أساسي في تطوير النظرية الاقتصادية الحديثة، سواء ذلك على مستوى الاقتصاد الجزئي بمؤلفه value and capital : An Inquiry Into Some Fundamental Principles of Economic Theory, Clarendon Press, 1939, trad. Franc . Dunod
الذي عمل فيه على إحياء من جديد نظرية التوازن العام في إطار مقاربة مشابهة للمقاربة المتبعة من طرف ليون فالراس. أما في الاقتصاد الكلي، فقد نجح إلى حد ما في التقريب بين التحليل الكينزي و التحليل التقليدي (التوازن العام) من خلال نموذج IS/LM المقترح في 1937و الذي أصبح فيما بعد يشكل الركيزة لأغلب التحاليل الاقتصادية الكلية المعاصرة.